أحمد بن محمد مسكويه الرازي
206
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
يؤثره ولا يلتذ به بل يقصد فعلا ما فيعرض منه فعل آخر ، وصاحب هذا الفعل يحزن ويكتئب لما اتفق اليه من الخطأ . واما الشقاء فصاحبه لا يكون مبدأ فعله ولا له فيه صنع بالقصد ، بل يوقعه فيه سبب آخر من خارج ، وذلك كمن تصدم به دابته صديقا له فتقتله ، فهذا يسمى شقيا وهو مرحوم معذور ولا يجب عليه عتب ولا عقوبة . وأما السكران والغضبان والغيران « 1 » إذا فعلوا فعلا قبيحا فإنهم يستحقون العتب والعقوبة ، لأن مبدأ فعالهم إليهم وذلك أن السكران باختياره أزال عقله ، والغضبان والغيران اختارا الانقياد بهاتين القوتين إذا هاجتا بهما . ونعود إلى ما كنا فيه من ذكر العدالة فنقول : ان أرسطوطاليس قسم العدالة إلى أقسام ثلاثة : أحدها ما يقوم به الناس لرب العالمين ، وهو ان يجري الانسان في ما بينه وبين الخالق عز وجل على ما ينبغي وبحسب ما يجب عليه من حقه وبقدر طاقته ، وذلك ان العدل إذا كان انما هو اعطاء ما يجب كما يجب ، فمن المحال ان لا يكون للّه تعالى الذي وهب لنا الخيرات العظيمة واجب ينبغي ان يقوم به الناس . والثاني ما يقوم به بعض الناس من أداء الحقوق ، وتعظيم الرؤساء أو تأدية الأمانات والنصفة في المعاملات . والثالث ما يقوم به من حقوق أسلافهم مثل أداء الديون عنهم وانفاذ وصاياهم وما أشبه ذلك . فهذا ما قاله ارسطوطاليس . الف ) لا يجهل نعم اللّه إلا النّعم ! « 2 » واما تحقيق ما قاله مما يجب للّه عز وجل ، وان كان ظاهرا فانا نقول فيه ما يليق
--> ( 1 ) . الغيران : أنف من الحمية ، وكره شركة الغير في حقّه بها . الذي يغار من الآخرين . ( 2 ) . أي : المتنعّم بنعم اللّه .